الفصل الأول

اللقاء الجزء الثاني

يضرب سيباستيان الطاولة بقبضته وينظر بعينين ثاقبتين نحو السيد رايكلز ويقول بصوت مخيف: ما الذي تتفوه به أيها اللعين؟
يلتصق السيد رايكلز في مقعده ويحاول بشتى الطرق ان يتجنب نظرات سيباستيان الغاضبة لكن ذلك لم يكن بالخيار المتاح.
ينفذ صبر سيباستيان من هذه المهزلة ويقرر النهوض تاركا عقد العمل وراءه متجاهلا الفتاة التي تذكره بين الفينة والأخرى بمصيره ان ترك هذا العمل، إلا ان السيد رايكلز يقوم بإمساك يده بسرعه ويقول بصوت متوتر: ان الجثتين اللتين وُجدتا في حادث السيارة ذاك كانتا محترقتين فلم يتم التعرف عليهما لكن وبعد اجراء فحص الحامض النووي على اسنان الجثث المحترقة تم معرفة هوية الشخصين ولم يكونا والدي ليديا، على كلٍ حين علمت بهذا الخبر فرحت وذلك لوجود امل ضئيل لكونهما على قيد الحياة الا ان املي هذا قد خاب كثيرا حيث بعد اسبوع من نتائج البحث تم ارسال طرد باسمي الى المكتب الخاص بي في العاصمة وقد احتوى على...
يسكت رايكلز قليلا ليصرخ به سيباستيان: يحتوي على ماذا؟
ينظر الأشخاص من حولهما نحو كل من سيباستيان والسيد رايكلز ويبدؤون بالهمس بين بعضهم البعض، ينتبه كل من الرجلين لهذا الأمر فيعود سيباستيان للجلوس ممتعضا وتبدأ قدمه بالاهتزاز بعصبية مفرطة ونظرته الثاقبة موجهة نحو رايكلز المتعرق.

السيد : رايكلز: لقد كان يحتوي على اصابع يد تعود لامرأة شابة وبعض الصور لكل من اخي وشقيقته وهما جثتين مقطعتين.
يصمت سيباستيان تماما ليأتيه صوت انثوي يقول: يا الهي!
يلتفت الى جنبه بغضب فينظر السيد رايكلز ايضا لذات الاتجاه مستفسرا ماذا هناك ليقول سيباستيان بعد هنيهة: انا اعتذر سيد رايكلز لاستدعاء هذه الذكرى الأليمة، لكنني لن أقبل بهذا العمل بالرغم من ذلك.
السيد رايكلز: أرجوك سيباستيان لقد علمت لاحقا أنهم لا يعلمون بوجود طفلة لاخي ولا يمكنني المخاطرة بكشف ان هناك اقارب متبقون لي فأنا لا اعلم تماما لما قد تم تعذيبهما وقتلهما وأخشى ان يجدوا ليديا من خلالي، لكن أريد ان أتأكد من كونها محمية بالإضافة لإبقائها بعيدة عني حيث انني لا اعلم لكم من الوقت سأقدر على ابقاءها مخفية عن العالم. ان ليديا تعلم ان لديها وصي يهتم بها من بعيد لكنها لم ترني يوما ولا يمكنها ذلك ويُفضل ان تستعمل صيغة رئيس عمل عوضا عن كلمة عم حين تتحدث مع الاخرين ومعها، في حال قبولك للعمل طبعا.

يصمت سيباستيان بعض الشيء ولا تزال رغبته برفض العمل قائمة إلا انه لم يستطع التخلص من ذاك الصوت المزعج الذي كان بمثابة شريط تسجيل معطل ويكرر نفسه مرة تلو الأخرى.
الفتاة: سيباستيان لا تقل لي أنك لا تريد القبول بهذا العمل! من أين ستجد عملا اخر، لقد كنت محظوظا بما فيه الكفاية لتجد عملا فور بدء البحث غير ذلك كل ما عليك فعله هو حراسة فتاة صغيرة لا يكاد أحد يعلم بوجودها، انظر لهذا الرجل ان حالته مثيرة للشفقة ويبدو انه يرغب حقا بأن تستلم هذا العمل.
يستشيط سيباستيان غضبا من خطاب تلك الفتاة فيصرخ بها قائلا: حسنا فهمت!
ينتفض السيد رايكلز وينظر نحو سيباستيان ويقول بصوت مرتعدا: المعذرة؟
سيباستيان: لن أنبس ببنت شفة وسأحترم رغبتك في البقاء مستترا، بكلمات أخرى أنا موافق على عرض العمل.
السيد رايكلز: اشكرك سيد سيباستيان!
تنطلق صافرة القطار معلنة اقتراب المسافرين من المحطة القادمة فيقف سيباستيان بقامته الطويلة ويستعد للنزول بينما السيد رايكلز بقي جالسا مكانه ينظر لصورة اخيه وزوجته التي لا تفارقه وكلاهما لا يعرف ما الذي تحمله لهما الأيام قريبا.

في تمام الساعة الرابعة عصرا وبعد ساعة كاملة من مطاردة الحراس لليديا استطاعوا اخيرا امساكها وارجاعها للقصر وفي تلك الاثناء بدأ الملل يعتري نفسها الطفولية فتقرر الذهاب مرة اخرى للتمشي لكن هذه المرة وسط علم الحراس والخدم.

امارتا: فلتتأكدي من اخذ احد الحراس معك سيدتي الصغيرة!
ليديا: اجل اجل امارتا انا اعلم ذلك.
تخرج ليديا وتنظر يمينا وشمالا لعلها تجد احد الحراس لكن دون جدوى وبعد تفكير لثوان معدودة تقرر الذهاب وحيدة فهي لن تبتعد كثيرا على اي حال. تبدا بالسيرة وتقرر التوّغل قليلا بالغابة فلطالما احبت الذهاب هناك والجلوس لوحدها ولكن ولسوء حظها اثناء بحثها على مكان قريب بهدف الراحة بعد المسير ساعة كاملة يبدأ المطر بالهطول بشكل قوي فجأة!

لم تعلم تماما ماذا تفعل وبدأت تنظر يمينا ويسارا لعلها تجد مكانا للاختباء وحين وجدت المكان المناسب دوّى هزيم الرعد عاليا مما جعل قدماها لا تقويان على حملها وانهارتا وبيديها الصغيرتين قامت بتغطية اذنيها واغماض عينيها وبدأ جسدها النحيل بالارتجاف.
لم يتوقف الهزيم ولم تقوى ليديا على فعل اي شيء فقد كان تمتلك رهابا شديدا تجاه صوت الرعد ولم يكن بوسعها سوى البقاء مكانها وسط المطر الغزير.

يستمر هطول المطر ولا تزال ليديا جالسة مغمضة العينين وقد ابتل جسدها وشعرها بأكملهما وفجأة يتوقف المطر قليلا وبرفقته هزيم الرعد، ترفع رأسها قليلا لتنظر حولها فإذ بالرعد يدوي من جديد بشكل أشد من السابق لتصرخ تلك الأخيرة بأعلى صوتها خائفة وتبدأ بالبكاء!
تمر بضع لحظات والتي شعرت ليديا خلالها بأنها عقود من الزمن ولا يزال جسدها يرتعد لا من المطر وإنما من الخوف، تشعر بعد لحظات بشيء يغطي ظهرها فترفع رأسها محاولة رؤية ما هذا الشيء وسط دموعها التي تأبى التوقف فإذ بها تجد شابا كان قد انحنى قليلا ليساويها طولا ذو شعر اسود كالليل يصل الى حد رقبته وعينين لوزيتين ذو لون نيلي وبشرة بيضاء شاحبة وبأذنه اليمنى هناك قرط لونه اسود داكن وكان يرتدي بيده اليسرى سوارا يحوي نجمة رباعية.

تتأمل ليديا عينا هذا الشاب جيدا ليقول بصوت بارد: لا يجب على الآنسات الصغيرات الجلوس هنا وسط المطر.
لا تجيب ليديا بأي شيء وفور سماعها صوت الرعد مجددا تضع كلتا يديها على أذنيها بخوف شديد فيعلم ذاك الأخير انه لا جدوى من أخذها الى المنزل وهي في هذه الحالة فيقرر أن يقوم بمساعدتها لتقف بيده اليمنى بينما بيسراه يعدل سترته التي تغطيها ويسير بها نحو جذع شجرة مجوّف لتجلس بداخله ريثما يهدأ المطر وهو يقف خارج الشجرة وقد كانت مبهورة حقا بطوله لتقول بصوت خجول وضعيف:أشكرك، سيد؟
وبدون ان ينظر نحوها يقول بصوته البارد: سيباستيان، أدعى سيباستيان.
تعيد لفظ اسمه مجددا وهي تنظر نحو الأرض ثم تعيد رفع رأسها وتعود لتأمل تعابير وجهه بعد ان تأكدت بأنه قد حوّل نظره بعيدا عنها إلا انه لم تكن تعلم بأن هذا الأخير أيضا كان يحرص على تأمل شكلها في كل مرة كانت هي لا تنظر إليه.

-لا أصدق إنها ليديا! يا لهذه الصدفة الجميلة، تصرخ الفتاة بحماس بينما تقف الى جانب سيباستيان وتنظر نحوها إلا ان ذاك الأخير لا يجيب بشيء ويكتفي بالنظر نحو الغيوم الرمادية مفكرا بما ستحمله الأيام له رفقة هذه الفتاة ويتساءل في نفسه هل لقاءهما هذا محض صدفة أم يمكن تسميته بالقدر؟

فصل جديد، شكرا للقراءة.
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي