الفصل٣
ابتلعت نيجار ريقها فتحرك حلقها بصعوبة و هي حذرة من حركته التالية متخوفة من أن يبطش بها في أي لحظة و كانت ملامحه غريبة في الابتسامة الهادئة المرتسمة على شفتيه
لكنه حين تكلم سألها ببطء
قبل أن يطلب الإنسان العفو عليه أولا أن يكون قد توقف عما يطلب العفو لأجله , فهل توقفتِ ؟!
فتحت نيجار فمها للحظةٍ و عيناها تحدقان بعينيه الهادئتين و مرت لحظاتٍ تلت بصمتٍ مهيب بينهما , قبل أن تتحرك الشفتين الناعمتين لتهمسان بصوتٍ لا يكاد أن يسمع
توقفت
ضغطت أصابعه ببطء شديد يكاد أن يكون غير ملحوظ فوق بشرته لكنها تأكدت بأنها تتوهم , فقد كانت ملامحه ثابته لم تهتز بها عضلة واحدة وهو ينظر الى عينيها بثباتٍ سمرها مكانها
ثم التوت شفتاه أخيرا وهو يبعد كفه ليسألها ببساطة
ما الذي يثبت لي صدق ما تقولين ؟!
مجرد سؤاله يعني أن يكون هناك فرصة و ستكون ملعونة إن لم تغتنمها , فسألته بلهفة
أي إثباتِ تريد ؟!
ضاقت عيناه وهو يحدق بعينيها المترجيتين ثم أجاب بنبرة هادئة وهو ينهض واقفا
دعي أمر الإثبات لي , فسأحصل عليه حين أقرر و الآن اعذريني , فالدكتور علام لن ينتظر أكثر
في تلك الأثناء و خارج المشفى كانت درة تشير بكفها الى سيارة أجرة و قفت بجوارها , لكن و ما أن فتحت الباب حتى قبضت كف قوية على ذراعها , بينما أغلقت الكف الأخرى الباب تصفقه بعنف
رفعت درة وجهها المشتعل ناظرة الى وجه قاسم الغاضب فصرخت فيه بجنون
ابتعد عني
خرج سائق سيارة الأجرة و سأل بقلق مراقبا ما يحدث
ما الذي يحدث ؟ّ! هل يضايقك هذا الرجل يا آنسة ؟!
فتحت درة فمها لتجيب موافقة , الا أن قاسم سبقها هادرا بصوتٍ قوي
إنه أمر خاص , توكل على الله و اسعى لرزقك
وصلت سلوان لاحقة به , فارتسم الذعر على وجهها و هي ترى ما يحدث أمامها حيث قاسم يجذب درة بالقوة وصولا الى سيارته , بينما هي تصرخ
لن أصعد الى سيارتك
نظرت سلوان حولها برعب و قد بدأ الناس في الطريق ينظرون تجاههم و بعضا منهم يستدير إستعدادا للتدخل , فأسرعت تجري خلف قاسم و ابنتها فوق صدرها و هتفت بتوسل
نستطيع استقلال سيارة أجرة يا سيد قاسم
الا أن ملامح قاسم أوضحت بما لا يضع أي مجالٍ للشك , بأن الجدال معه في تلك اللحظة خطوة غبية
فتح قاسم الباب الخلفي من سيارته و نظر الى سلوان مبتسما بلطف وهو يقول من بين أسنانه متغلبا بكل قوته على مقاومة درة التي كانت تصارع كي تتحرر من بين يديه
تفضلي بالدخول
ظلت سلوان واقفة مكانها , و هي تنظر الى درة بعجز ثم رأت رجلان يقتربان و على ملامحهما التحفز باديا , فنظرت الى درة و ترجتها قائلة و هي تربت على صدرها
دعيه يقلنا للبيت أرجوكِ يا درة أرجوكِ أعصابي لا تتحمل شجارا جديدا في الطريق العام , ارأفي بحالي و حال روان المسكينة تم تقطيب رأسها و ستتألم خلال دقائق ما أن تستيقظ .
ظلت درة تنظر إليها و الى روان بحاجبين منعقدين و عينين غاضبتين , عاجزتين مشتعلتين في صراعٍ ما بين الرغبة في قتله و تأنيب الضمير لما تسببت به لروان خاصة و أنها هي من إتصلت به بأصابعها التي تستحق القص
رفعت عينيها المنفعلتين إليه , ثم ضربته في كتفه و هي تصرخ غاضبة
ابتعد لأدخل
دفعها بفظاظة ثم ضربها ضربة مماثلة في كتفها , مما جعلها تشهق متأوهة , عاقدة حاجبيها و هي تهمس بقرف
همجي
برقت عيناه بوعيدٍ صامت , و تجنب الرد عليها , بينما هربت من ذلك الوعيد ثم نظرت الى سلوان و هتفت بيأسٍ غاضبة و محتدة
ادخلي
دخلت سلوان متعثرة حتى جلست و أوشكت أن تغلق الباب لكن درة منعتها ممسكة به و هي تهتف بحدة
ابتعدي قليلا لأجلس بجوارك
حاولت سلوان زحزحة نفسها , لكن الباب سحب من بين أصابع درة و صفق بالقوة , ليفتح باب المقعد الأمامي لها , فصرخت في وجهه بجنون
لن أجلس بجوارك .لو
لكنها لم تجد الوقت لتكمل تهديدها , فقد دفعها بالقوة حتى أسقطها جالسة في المقعد الأمامي و بينما هي تصارع لتنهض انحنى اليها ليقول بهدوء أمام وجهها المشتعل
بل ستفعلين , فلست السائق الذي استأجره لكما أهلكما
ثم نظر الى سلوان في الخلف متابعا بابتسامة مهذبة
الكلام ليس لكِ يا سيدة سلوان
ثم صفق الباب بمنتهى العنف في وجه درة ليستدير حول السيارة فحاولت فتح الباب الا أن سلوان مالت للأمام تمسك بكتفها و هي تهتف مترجية
أتوسل إليكِ نفذي ما يقول حتى نصل للبيت
استدارت درة للخلف و مدت كفها محاولة ضرب سلوان عشوائيا و هي تهتف بجنون
كفي عن تلك السلبية و الجبن أنتِ تفقدينني أعصابي
فما كان من سلوان الا أن استطاعت الوصول اليها لتضربها بقبضتها في مؤخرة كتفها و هي تصرخ بإنفعال
و لكِ عين للتبجح بعد كل ما تسببتِ به !والله لولا وجود روان على ذراعي , لأكرمتك بكفين يوقفا تلك الوقاحة المتغلغلة بكِ و يعيدا ضبط كهرباء المخ في رأسك الشبيه بكرة السلة
أوشكت على قول المزيد , الا أن دخول قاسم للسيارة جعلها تتراجع في مقعدها و تلتزم التهذيب و الرقة تهدهد روان التي بدأت تتململ من الصوت العالي من حولها
انطلق قاسم بالسيارة دون كلمة واحدة . بملامح عدائية
استمر الصمت المطبق بين ثلاثتهم , حتى أوشكت أعصاب درة على الانهيار و هي ترمقه بطرف عينيها بين الحين و الآخر تريد منه الكلام , هي تفجر به كل ما يجيش به صدرها من غضب شديد السواد
و حين تأكدت بأنه لن يتكلم , هتفت و قد فقدت القدرة على التماسك أكثر
هل يمكنك اعطائي تفسيرا لما فعلته في المشفى ؟! أمور العته التي تتبعها لن تقربك مما تصبو إليه منذ سنوات , بل على العكس أنت
رفع قاسم كفه عن المقود فجأة تجاهها فصمتت مبتلعة الباقي من كلماتها و هي تتراجع بسرعة ملتصقة بظهرها الى باب السيارة لكن كل ما فعله هو أن رفع سبابته لتصمت قائلا بصوتٍ مقتضب
اصمتي
ارتفع حاجباها و هي تنظر إليه غير مصدقة , و التمرد بداخلها يرفض تلك اللهجة التي يخاطبها بها و الطريقة التي يتعامل بها معها فهمست بذهولٍ مستنكر
ماذا أصابك ؟! لقد ازددت
الا أن صوته دوى في السيارة
قلت اصمتي
صمتت بالفعل و هي تنظر أمامها بملامح باهتة , فالتقت عيناها بعيني سلوان في المرآة الجانبية الأمامية لتجدها تشير على فمها تطلب منها أن تغلقه بسحابٍ محكم ثم ربتت على صدرها , قبل أن ترفع اصبعها للسماء في إشارة منها لانتظار النجدة
كتفت درة ذراعيها و هي تزم شفتيها بقسوة تدلكهما بكفيها و بعينين مظلمتين تابعت الطريق أمامها و كل عصب فيها ينتفض بقوة حتى أنها بدأت ترتعش فعليا من شدة الانفعال
و حين طال بها الصمت و التحديق في الطريق الممتد بلا نهاية شردت عيناها في ذكرى لا تعلم سبب اقتحامها لذهنها في تلك اللحظة بالذات
بعد خطبتها لقاسم منذ سنوات تحديدا بعد أسبوع أو أكثر من حفل الخطبة الكارثي و الذي حضرته أختها صفية دون دعوة منها و قد ارتدت أفضل ما لديها و بالغت في تزيين وجهها و ظلت تصفق و تزغرد و كأن المشاعر الأخوية بينهما في أزهى روابطها
ليلتها تجاهلتها درة تماما و كأنها غير متواجدة علها تشعر بالحرج و لا تراها مجددا لكنها لم تعلم أن أمنيتها لن تتحقق و أن أختها صفية ستأتي لزيارتها خصيصا بعد أسبوع من حفل الخطبة حاملة معها هدية !!
مدت درة أصابعها تبعد الغلاف قليلا عن الهدية رخيصة الثمن المتمثلة في قميص نومٍ عرائسي خليع كهدية تنم عن ذوقٍ رديء
ثم رفعت وجهها بملامح باردة و هي تتراجع في مقعدها داخل غرفة استقبال الضيوف في بيت الحاج رحيم قائلة بجمود
لما كلفتِ نفسك يا صفية ؟! ألم يكن أطفالك أولى بما دفعته في هذه الهدية !
اقتربت منها صفية حتى جلست ملاصقة لها و هي تربت على ساقها قائلة بتملق و حرارة
هل يعقل ألا أهنئ أختي على خطبتها من ابن كبير البلدة ؟! أرجو أن تعجبك الهدية
ثم صمتت لتغمز بعينها متابعة و هي تضحك بميوعة
و أن تعجبه كذلك لا تنسي إمدادي بتفاصيل امتنانه بعد الزواج
زمت درة شفتيها و هي تشيح بوجهها عن صفية بقصد الا أنها لم تحرج , بل اقتربت منها أكثر و همست لها مبهورة و هي تنظر حولها
لكن أخبريني , كيف تبدلت الأحوال و تمكنتِ من الإيقاع بالابن عوضا عن الأب ؟!
رمقتها درة بنظرةٍ مهينة شملتها من أعلى رأسها و حتى أخمص قدميها ثم عادت لتشيح بوجهها مجددا , ملتزمة الصمت
لكن صفية , لم تجفل و لم تتراجع بل تابعت تقول بصوتٍ شارد و هي ترمق درة بنظرةٍ لا تخلو من بعض الحسد
و نحن من كنا نظنك غبية حين كنتِ تصرين على رفض الزواج من الحاج رحيم لنكتشف أنه لا أغبياء سوانا بعد أن حصلت على العز و الشباب سويا . لطالما كنتِ ناجحة فيما تطمحين إليه يا درة
أغمضت درة عينيها للحظات و هي تضغط على أسنانها تمنع نفسها من التهور بينما تشد على أصابعها المرتجفة من شدة الغضب
لكنه حين تكلم سألها ببطء
قبل أن يطلب الإنسان العفو عليه أولا أن يكون قد توقف عما يطلب العفو لأجله , فهل توقفتِ ؟!
فتحت نيجار فمها للحظةٍ و عيناها تحدقان بعينيه الهادئتين و مرت لحظاتٍ تلت بصمتٍ مهيب بينهما , قبل أن تتحرك الشفتين الناعمتين لتهمسان بصوتٍ لا يكاد أن يسمع
توقفت
ضغطت أصابعه ببطء شديد يكاد أن يكون غير ملحوظ فوق بشرته لكنها تأكدت بأنها تتوهم , فقد كانت ملامحه ثابته لم تهتز بها عضلة واحدة وهو ينظر الى عينيها بثباتٍ سمرها مكانها
ثم التوت شفتاه أخيرا وهو يبعد كفه ليسألها ببساطة
ما الذي يثبت لي صدق ما تقولين ؟!
مجرد سؤاله يعني أن يكون هناك فرصة و ستكون ملعونة إن لم تغتنمها , فسألته بلهفة
أي إثباتِ تريد ؟!
ضاقت عيناه وهو يحدق بعينيها المترجيتين ثم أجاب بنبرة هادئة وهو ينهض واقفا
دعي أمر الإثبات لي , فسأحصل عليه حين أقرر و الآن اعذريني , فالدكتور علام لن ينتظر أكثر
في تلك الأثناء و خارج المشفى كانت درة تشير بكفها الى سيارة أجرة و قفت بجوارها , لكن و ما أن فتحت الباب حتى قبضت كف قوية على ذراعها , بينما أغلقت الكف الأخرى الباب تصفقه بعنف
رفعت درة وجهها المشتعل ناظرة الى وجه قاسم الغاضب فصرخت فيه بجنون
ابتعد عني
خرج سائق سيارة الأجرة و سأل بقلق مراقبا ما يحدث
ما الذي يحدث ؟ّ! هل يضايقك هذا الرجل يا آنسة ؟!
فتحت درة فمها لتجيب موافقة , الا أن قاسم سبقها هادرا بصوتٍ قوي
إنه أمر خاص , توكل على الله و اسعى لرزقك
وصلت سلوان لاحقة به , فارتسم الذعر على وجهها و هي ترى ما يحدث أمامها حيث قاسم يجذب درة بالقوة وصولا الى سيارته , بينما هي تصرخ
لن أصعد الى سيارتك
نظرت سلوان حولها برعب و قد بدأ الناس في الطريق ينظرون تجاههم و بعضا منهم يستدير إستعدادا للتدخل , فأسرعت تجري خلف قاسم و ابنتها فوق صدرها و هتفت بتوسل
نستطيع استقلال سيارة أجرة يا سيد قاسم
الا أن ملامح قاسم أوضحت بما لا يضع أي مجالٍ للشك , بأن الجدال معه في تلك اللحظة خطوة غبية
فتح قاسم الباب الخلفي من سيارته و نظر الى سلوان مبتسما بلطف وهو يقول من بين أسنانه متغلبا بكل قوته على مقاومة درة التي كانت تصارع كي تتحرر من بين يديه
تفضلي بالدخول
ظلت سلوان واقفة مكانها , و هي تنظر الى درة بعجز ثم رأت رجلان يقتربان و على ملامحهما التحفز باديا , فنظرت الى درة و ترجتها قائلة و هي تربت على صدرها
دعيه يقلنا للبيت أرجوكِ يا درة أرجوكِ أعصابي لا تتحمل شجارا جديدا في الطريق العام , ارأفي بحالي و حال روان المسكينة تم تقطيب رأسها و ستتألم خلال دقائق ما أن تستيقظ .
ظلت درة تنظر إليها و الى روان بحاجبين منعقدين و عينين غاضبتين , عاجزتين مشتعلتين في صراعٍ ما بين الرغبة في قتله و تأنيب الضمير لما تسببت به لروان خاصة و أنها هي من إتصلت به بأصابعها التي تستحق القص
رفعت عينيها المنفعلتين إليه , ثم ضربته في كتفه و هي تصرخ غاضبة
ابتعد لأدخل
دفعها بفظاظة ثم ضربها ضربة مماثلة في كتفها , مما جعلها تشهق متأوهة , عاقدة حاجبيها و هي تهمس بقرف
همجي
برقت عيناه بوعيدٍ صامت , و تجنب الرد عليها , بينما هربت من ذلك الوعيد ثم نظرت الى سلوان و هتفت بيأسٍ غاضبة و محتدة
ادخلي
دخلت سلوان متعثرة حتى جلست و أوشكت أن تغلق الباب لكن درة منعتها ممسكة به و هي تهتف بحدة
ابتعدي قليلا لأجلس بجوارك
حاولت سلوان زحزحة نفسها , لكن الباب سحب من بين أصابع درة و صفق بالقوة , ليفتح باب المقعد الأمامي لها , فصرخت في وجهه بجنون
لن أجلس بجوارك .لو
لكنها لم تجد الوقت لتكمل تهديدها , فقد دفعها بالقوة حتى أسقطها جالسة في المقعد الأمامي و بينما هي تصارع لتنهض انحنى اليها ليقول بهدوء أمام وجهها المشتعل
بل ستفعلين , فلست السائق الذي استأجره لكما أهلكما
ثم نظر الى سلوان في الخلف متابعا بابتسامة مهذبة
الكلام ليس لكِ يا سيدة سلوان
ثم صفق الباب بمنتهى العنف في وجه درة ليستدير حول السيارة فحاولت فتح الباب الا أن سلوان مالت للأمام تمسك بكتفها و هي تهتف مترجية
أتوسل إليكِ نفذي ما يقول حتى نصل للبيت
استدارت درة للخلف و مدت كفها محاولة ضرب سلوان عشوائيا و هي تهتف بجنون
كفي عن تلك السلبية و الجبن أنتِ تفقدينني أعصابي
فما كان من سلوان الا أن استطاعت الوصول اليها لتضربها بقبضتها في مؤخرة كتفها و هي تصرخ بإنفعال
و لكِ عين للتبجح بعد كل ما تسببتِ به !والله لولا وجود روان على ذراعي , لأكرمتك بكفين يوقفا تلك الوقاحة المتغلغلة بكِ و يعيدا ضبط كهرباء المخ في رأسك الشبيه بكرة السلة
أوشكت على قول المزيد , الا أن دخول قاسم للسيارة جعلها تتراجع في مقعدها و تلتزم التهذيب و الرقة تهدهد روان التي بدأت تتململ من الصوت العالي من حولها
انطلق قاسم بالسيارة دون كلمة واحدة . بملامح عدائية
استمر الصمت المطبق بين ثلاثتهم , حتى أوشكت أعصاب درة على الانهيار و هي ترمقه بطرف عينيها بين الحين و الآخر تريد منه الكلام , هي تفجر به كل ما يجيش به صدرها من غضب شديد السواد
و حين تأكدت بأنه لن يتكلم , هتفت و قد فقدت القدرة على التماسك أكثر
هل يمكنك اعطائي تفسيرا لما فعلته في المشفى ؟! أمور العته التي تتبعها لن تقربك مما تصبو إليه منذ سنوات , بل على العكس أنت
رفع قاسم كفه عن المقود فجأة تجاهها فصمتت مبتلعة الباقي من كلماتها و هي تتراجع بسرعة ملتصقة بظهرها الى باب السيارة لكن كل ما فعله هو أن رفع سبابته لتصمت قائلا بصوتٍ مقتضب
اصمتي
ارتفع حاجباها و هي تنظر إليه غير مصدقة , و التمرد بداخلها يرفض تلك اللهجة التي يخاطبها بها و الطريقة التي يتعامل بها معها فهمست بذهولٍ مستنكر
ماذا أصابك ؟! لقد ازددت
الا أن صوته دوى في السيارة
قلت اصمتي
صمتت بالفعل و هي تنظر أمامها بملامح باهتة , فالتقت عيناها بعيني سلوان في المرآة الجانبية الأمامية لتجدها تشير على فمها تطلب منها أن تغلقه بسحابٍ محكم ثم ربتت على صدرها , قبل أن ترفع اصبعها للسماء في إشارة منها لانتظار النجدة
كتفت درة ذراعيها و هي تزم شفتيها بقسوة تدلكهما بكفيها و بعينين مظلمتين تابعت الطريق أمامها و كل عصب فيها ينتفض بقوة حتى أنها بدأت ترتعش فعليا من شدة الانفعال
و حين طال بها الصمت و التحديق في الطريق الممتد بلا نهاية شردت عيناها في ذكرى لا تعلم سبب اقتحامها لذهنها في تلك اللحظة بالذات
بعد خطبتها لقاسم منذ سنوات تحديدا بعد أسبوع أو أكثر من حفل الخطبة الكارثي و الذي حضرته أختها صفية دون دعوة منها و قد ارتدت أفضل ما لديها و بالغت في تزيين وجهها و ظلت تصفق و تزغرد و كأن المشاعر الأخوية بينهما في أزهى روابطها
ليلتها تجاهلتها درة تماما و كأنها غير متواجدة علها تشعر بالحرج و لا تراها مجددا لكنها لم تعلم أن أمنيتها لن تتحقق و أن أختها صفية ستأتي لزيارتها خصيصا بعد أسبوع من حفل الخطبة حاملة معها هدية !!
مدت درة أصابعها تبعد الغلاف قليلا عن الهدية رخيصة الثمن المتمثلة في قميص نومٍ عرائسي خليع كهدية تنم عن ذوقٍ رديء
ثم رفعت وجهها بملامح باردة و هي تتراجع في مقعدها داخل غرفة استقبال الضيوف في بيت الحاج رحيم قائلة بجمود
لما كلفتِ نفسك يا صفية ؟! ألم يكن أطفالك أولى بما دفعته في هذه الهدية !
اقتربت منها صفية حتى جلست ملاصقة لها و هي تربت على ساقها قائلة بتملق و حرارة
هل يعقل ألا أهنئ أختي على خطبتها من ابن كبير البلدة ؟! أرجو أن تعجبك الهدية
ثم صمتت لتغمز بعينها متابعة و هي تضحك بميوعة
و أن تعجبه كذلك لا تنسي إمدادي بتفاصيل امتنانه بعد الزواج
زمت درة شفتيها و هي تشيح بوجهها عن صفية بقصد الا أنها لم تحرج , بل اقتربت منها أكثر و همست لها مبهورة و هي تنظر حولها
لكن أخبريني , كيف تبدلت الأحوال و تمكنتِ من الإيقاع بالابن عوضا عن الأب ؟!
رمقتها درة بنظرةٍ مهينة شملتها من أعلى رأسها و حتى أخمص قدميها ثم عادت لتشيح بوجهها مجددا , ملتزمة الصمت
لكن صفية , لم تجفل و لم تتراجع بل تابعت تقول بصوتٍ شارد و هي ترمق درة بنظرةٍ لا تخلو من بعض الحسد
و نحن من كنا نظنك غبية حين كنتِ تصرين على رفض الزواج من الحاج رحيم لنكتشف أنه لا أغبياء سوانا بعد أن حصلت على العز و الشباب سويا . لطالما كنتِ ناجحة فيما تطمحين إليه يا درة
أغمضت درة عينيها للحظات و هي تضغط على أسنانها تمنع نفسها من التهور بينما تشد على أصابعها المرتجفة من شدة الغضب