الفصل الرابع

الفصل الرابع.
"مرات البواب هانم."

اجفلت من ضحكته المجلجلة، ضحكة خشنة غاضبة اهتز جسدها بأكمله على إثرها وتراجعت للخلف في محاولة للهروب، ولكن أوقفها رده القوي الذي أثار شيئًا ما بقلبها.. خوف ورجفة شديدة تملكتها، فهذا الرجل لا يستهان به.
_ الرجال مش بالمال يا بنت محمود.
أدركت أنها وقعت مع أخطر رجل قابلته بحياتها، فهو لا يمزح خاصة بعينيه التي تشع شرارًا وغضبًا، لم تفلح في شرائه بأموالها الطائلة التي يلهث خلفها الكثير.
أدركت بأنها أسرت بقيده لا محال.
فوق كل هذا أغاظتها عدم ذكره لاسمها ودعاها باسم والدها فبغضب هدرت به وهي تطرق المكتب أمامه بعدما اقتربت بشجاعة واهية:
_ متقوليش بنت محمود، أنا ريتان هانم، ولما تتكلم معايا تتكلم باحترام، متنساش نفسك دا أنت بواب.
نهض ومعالم القسوة والغضب تعلو وجهه والشرار يتصاعد من عينيه الحادة فانكمشت على نفسها بخوف رغم محاولاتها عدم إظهاره له واحمرت وجنتاها من الرعب.
يكره تكبرها اللعين، ذكرها بأنه بواب أقل منها ابنة محمود سليطة اللسان متعجرفة الطبع جافة المشاعر، عقلها صحراء جرداء لا نقطة فهم بها، فارغة تمامًا من الداخل.
أما قلبها فهو لا يمتلك أدنى مشاعر، حتى شفقة.
هكذا حلل شخصيتها بعقله وهذا زاد من غضبه فقبض على يده يكورها بغضب يحرق الأخضر واليابس، إن تركه يطفو فلا يبقي ولا يذر.
_ أني بكلمك دلوق باحترام يا بنت محمود وبقولك مفيش طلاق، أنسي.. عشان واللي خلق الخلق هتشوفي مني وش تاني هتكرهيني فيه يا.. يا ريتان هانم.
قالها بسخرية وهو يخطو من جانبها ودفعها بكتفه حتى اختل توازنها وكادت أن تقع لولا تمسكها بخشب المكتب بقوة.. قوة مقهورة ويائسة من الإفلات من براثن هذا الوحش الكاسر الذي لا يرحم حبًا ولا قلبًا، يفرقها عن زوجها بجحود وغير هذا يهددها.
لا ليست ريتان من تهدد، فركضت خلفه ووقفت أمامه تسد طريقه للمرحاض.
_ استنى عندك.
صاحت بها فوقف أمامها وعقد ذراعيه لصدره يرمقها ببرود وقسوة، ينتظر إنفجارها الحتمي، فهي لن تمرر تهديده هكذا بسلام، فلن تكون ريتان إن لم تفعل.
بعصبية قالت:
_ هو أنت فاكر إنك لما تهددني هخاف يعني؟ تبقى غلطان، سامع؟
رفعت نظرها له تثبت عينيها على عينيه المخيفة، لا تعلم لما هي مخيفة وتسرب الرعب لقلبها كلما تنظر لها، كأنها بئر من العسل الصافي تبتلعها، بثت شجاعة زائفة لنفسها مما جعلتها تتحداه بقوة أكبر، تزعزع ثباته بنظراتها لتخبره أنها لا تخافه.
_ على فكرة أنا ممكن بسهولة أمحيك من على وش الدنيا فـ متلعبش معايا يا قمر.
لم تكن هذه نبرتها ولكنها اقتبستها حتى تواري خوفها، وتثبت قوتها أمامه، ختمت جملتها ورفعت كفها تضرب على وجهه بتهديد كما ترى بالأفلام التي تدمنها، ولكنه فطن فعلتها فما إن لامست صفحة وجهه حتى قبض على كفها الصغير وضمه بقوة كادت أن تكسر عظامها الرقيقة وهسهس بجانب أذنها بخطر:
_ أنتِ اللي متلعبيش معايا يا حلوة عشان أنا مش سهل، وتهديدك دا ولا حاجة ولو فكرتِ لتاني مرة تمدي أيدك نحيتي هكسرهالك.
قالها وهو يضغط على كفها حتى تأوهت بصوت مدوي وقفزت من الألم، فتركها ببطء مع نظراته النارية التي أحرقتها في مكانها، وعلمت مع من تلعب ريتان.
ركضت لغرفتها والدموع تتجمع بأعينها تبغي الهبوط بحرية ترثي صاحبتها ولكن صاحبتها أصرت على تأجيلها، فلن تضعف، مازالت تملك حلًا.
_____________________________________
_ برضك عملتِ اللي فـ دماغك يا نجاة وخرجتِ البت.
قالها الشيخ سالم بعتاب لزوجته، فعضت على شفتيها بخجل لمخالفتها أمر زوجها، وسعت لإرضائه وقالت لتبرر ما فعلته وهي تخلع قفطانه الأسود عن جسده:
_ متواخذنيش يا شيخ سالم، بس البت يا حبة عيني حالتها متسرش لا عدو ولا حبيب واصل، عتبكي ليل نهار، قلت نخرجوا نشموا هوا في الغيط.
هز رأسه بيأس من تفكير زوجته المتهور ولكن ما تفعله بدافع الطيبة والشفقة.
فقال بترو يفهمها سبب رفضه، فهي لا ينفع معها سوى اللين، أو هو طبعه اللين والسهولة، قليل الغضب كثير الحكمة ولذلك أهل القرية والقرى المجاورة يأتون إليه لحل نزاعاتهم ومشكلاتهم:
_ يا نجاة افهمي اللّٰه يرضى عنك ويراضيك، روضة مينفعش تخرج من دون إذن جوزها، لسه هو ولي أمرها وتأخد أذنه في كل حاجة.
_ طيب مش هي أطلقت يا شيخ؟
تفوهت بها نجاة عاقدة حاجبيها بغير فهم لما يقوله زوجها الذي يجمع كمًا هائلًا من الحكمة والمعلومات:
_ هي اتطلقت بس طلاق رجعي، يعني يقدر يرجعها لذمته عادي، وبكدا لازم تاخد أذنه وعليه نفقتها.
يبدو ما قاله كبيرًا عن فهمها، ولكنها هزت رأسها موافقة على حديثه وتحركت لتحضر له ثياب أخرى نظيفة فوقفت فجأة بمنتصف الغرفة، فضيق الشيخ سالم ما بين حاجبيه وسألها:
_ مالك يا نجاة؟
ردت بتفكير عميق:
_ أنت قلت إنه ممكن يرجعها لذمته صح؟
حاول سبر أغوارها وما يدور بعقلها وردد:
_ صح.
_ يبقى يرجعها أحسن يا عيني البت قلبها مفطور عليه وهو بيعشقها ولساته رايدها.
لم تخبره نجاة بأن روضة قابلت زيد وتحدثت معه، فإن علم سيوبخها ويحزن منها وقد يعبس بوجهها كلما رأها كعادته عندما يريد معاقبتها، وكم يعز عليها حزنه وغضبه منها.. ولذلك خبأته في سرها ولم تفصح به.
احتج على ما تقوله بنبرة قوية وصرامة:
_ أي اللي عتقوليه ديه يا نجاة، أني مستحيل أرجعها ليه تاني، زيد طلب مني يعاودها وأني رفضت.
اغتاظت من رفض زوجها فعلى صوتها دون قصد منها في ضيق دافعه حبها لروضة، إرادتها في عودتهما لبعضهما ليكملا قصة عشقهما:
_ وليه عاد يا شيخ سالم؟ بدل ما تصلح بينهم!
_ يا نجاة افهمي، أني مستحيل أسيبها ترجعله تاني، لازمن أعرف مين اللي عمل فيها إكدة، أخاف عليها يا نجاة ليحصلها حاجة أوعر من إكدة.
تذكرت نجاة ما حدث معها إن كانت نسته بالأساس، فارتجف جسدها وهزت رأسها برفض، ترفض ما حدث للمسكينة روضة.
_ لاه لاه، أحنا لما صدقنا..
ربت الشيخ سالم على وجنة نجاة برفق في حركة بسيطة لإطمئنانها فابتسمت بوجهه في بشاشة وتحركت وهي تقول:
_ هحضرلك الوكل وأشوف روضة أطمن عليها.
_ ربنا ما يحرمنا من طلتك البهية يا نجاة.
خجلت من مغازلته الرقيقة هذه وهربت من الغرفة ومن نظراته التواقة كأنها فتاة بالعشرين تهرب من مغازلة حبيبها.. فالحب لا سن له، فقط يجعلك أكثر نشاطًا، يبث بك الحياة ويلونها بقلبك فتشعر بأنك بخفة الفراشة وزهائها.
________________________________
أحس بخطأه تجاهها، فهو قسى عليها وهذا ما لم يفعله مع امرأة من قبل، هي أخرجته عن طور هدوئه وأثارت الغضب بقلبه.
تنهد بعنف ونفسه تنازعه لمراضتها، فحكم زمام أمره ونهض من على مكتب والدها وخرج حيث غرفتها بخطوات متمهلة مترددة بعض الشيء، فاستمع لصوتها الباكي وهي تتحدث بالهاتف، وهذا ما أثار غضبه وألقى بما كان ينتويه عرض الحائط.

كانت تبكي وهي تحدث تامر، تشكو له ما تعرضت له من خداع، تستجديه ليفعل شيئًا فلم تجد أمامها غير فكرة واحدة استحوذت على عقلها بأكمله:
_ مش قدامنا حل غير إننا نهرب يا تامر، أنا مستحيل أعيش مع المتخلف دا ولو للحظة واحدة، هلم حاجتي وأبلغك وقت ما أعرف أهرب..
لم تتم جملتها ودخل عابد بإعصاره الغرفة بعد أن صفق الباب بعنف ارتج له قلبها وجدران الغرفة التي صرخت مع صرختها من هيئته الغاضبة بشكل خطير وعينيه ينبعث الشرار منها يكاد أن يحرقها.
_ أنتِ بتكلمي مين؟
ألجمتها الصدمة ولم تنطق فصرخ بها في قسوة ووجهه كاد أن ينفجر من شدة غضبه وصدره يعلو ويهبط بعنف من جراء أنفاسه المتسارعة.
_ قلت بتكلمي مين؟
ابتلعت ريقها بصعوبة وأحست بالدوار يغزوها من شدة خوفها من الوحش الواقف أمامها، فاجابته بتلعثم:
_ تامر...
بقسوة تقدم منها وقبض على شعرها الحريري بقبضة فولاذية كادت أن تقتلعه وهو يدمدم بشر:
_ إنك تتحدتِ مع راجل تاني غير جوزك دي خيانة يا بنت محمود، وأني مش بسامح فـ الخيانة.
تأوهت وصرخت من قبضته العنيفة التي تشتد على شعرها بهمجية وقسوة تتلوى بين ذراعيه ليتركها:
_ آه.. سبني يا حيوان شعري.
ما زاده هذا إلا جنونًا، فشد شعرها للأسفل لتبكي بين يديه. فهذه مرته الأول في القسوة مع امرأة ولكنها أخرجت أسوء ما فيه بما فعلته، فأكثر ما يؤلم الرجل خيانة زوجته له وإن كان لا يحبها، فهذا ينقص من رجولته واعتزازه بنفسه.
_ حرام عليك سبني..
_ اتعدلي معايا أحسنلك إلا وقسمًا باللّٰه هتشوفي مني شغل مش هيعجبك.
انتفض جسدها لقوله المهدد بصرامة غير نبرته الغليظة التي دبت الرعب بأوصالها.
_ حاضر... حاضر.
رددتها في خوف ولجلجة تحاول نزع يده عنها، فترك شعرها بعنف يتنفس بصوت عال جراء غضبه وعصبيته، فسالت العبرات تشق طريقها على وجنتيها لتلتقي بحد شفتيها المرتعشة تعانق شهقاتها المؤلمة ورفعت يدها تتحسس رأسها ومنابت شعرها بتألم على حالها، ابتعدت عنه بخوف هستيري تنكمش على نفسها، وحاولت الإبتعاد عنه والخروج من الغرفة كلها ولكنه أوقفها بأنفاسه الغاضبة:
_ جهز نفسك هنطلع على الصعيد دلوق.
أيقصد ما سمعته حقًا؟
السفر بهذا الوقت وقد جن الليل وحال سواده!
بأي عقل ينطق هذا الرجل؟
يبدو أنها أخطأت بحقه لدرجة مهولة، ولكنها.. لكنه هو من خدعها أولًا ويرفض طلاقها.
ردت بنبرة لم تستطع جعلها قوية بعد ما حدث لها فخرجت مهتزة:
_ دلوقتي!
بقوة استدار لها وثبت نظره على ملامحها الباكية والشاحبة دون أدنى شفقة أو تعذيب ضمير، فهي تستحق ما فعله بها.
_ أيوة دلوق يا بنت محمود وجهزي نفسك عشان كمانت خمس دقايق والعربية اللي هنسافر بيها هتطلع.
في هذا الوقت كان قد عاد والدها ووجد الوجوه تسودها الغضب والقلق، يبدو أن الأمر مزريًا.
_ في أي يا بني؟ مالك يا ريتان؟
ركضت ريتان إليه باكية تشكوه قسوة عابد عليها وهمجيته:
_ بابا الحقني، شوف عابد عمل فيا أي، قطع شعري يا بابا.
نظر والدها لفروة رأسها وجد بعض الإحمرار الطفيف عليه فحول نظره لعابد بإستهجان وأردف:
_ أي اللي أنت عملته فـ بنتي دا يا عابد؟
ألمه توجع ابنته وخوفها العارم هذا، فابنته الرقيقة تتعرض لكل هذه القسوة!
وخاصة في منزله، أي أنه يؤذيها قبل أن تخرج من كنفه فماذا هو بفاعل بها إن انتقلت لبيته؟
_ أنا مسمحلكش يا عابد تعمل فيها كدا وتضربها.
صك عابد على أسنانه بعنف ولم ينطق أمام لهجة محمود الصارمة التي تنهره، فهو معه حق في خوفه على ابنته المدللة، وغير هذا فهو لا يعرف ما سبب فعله، ولن يقول له حتى لا يشوه صورة ابنته في نظره.
قويت عندما وجدت أباها واقفًا معها ضد عابد، فتحامت به وهي تقول بغضب:
_ كمان يا بابا قال إنه مش هيطلقني..
انتظرت رد فعل والدها الصارم والقاطع بهذا الأمر، تتشفى من عابد وهيئته عندما يعلم والدها ما فعله بها، فبالتأكيد سينصرها ويجبره على طلاقها منه، ابتسمت لهذه الفكرة، ولكن صمت والدها أثار حفيظتها، فحادت بنظرها تجاهه فلم تجد أي رد فعل منه.
اتسعت عيناها وانفرجت شفتاها في صدمة، فوقفت مواجهة لأبيها وقالت:
_ بابا.. أنت متكلمتش ليه؟ قوله يا بابا يطلقني عشان أرجع لتامر...
هنا أسكتها والدها بقوله الصارم الذي لا نقاش فيه:
_ مفيش تامر يا ريتان، خلاص عابد هو جوزك.
حادت بنظرها لعابد فوجدته يطالعها بقوة وتشفٍ، فاختض جسدها وقالت باستنكار:
_ يعني أي يا بابا؟ يعني خلاص أنا بقيت مرات عابد ومش هطلق!
لأول مرة يخذلها والدها، ظنته سيقف معها ويحل مشكلتها، ولكنه.. خذلها.
أدركت أن لا جدال ولا حديث آخر قد يثني أباها عن قراره، ولكنها حاولت التمسك بآخر خيط لديها:
_ عايز ياخدني معاه بلده وأنا مش.. مش هقدر.
هرب أبوها من نظراتها اللائمة التي تبعث العذاب لقلبه، فهو لا يستطيع القسوة عليها، حتى لإصلاحها.
_ دا جوزك يا بنتي وواجب عليكِ طاعته، ومكان ما هيروح هتكوني معاه.
هكذا ختم أبوها الموضوع وتحرك من أمامها، فقد ترك الأمر لزوجها، تركها بين أنيابه، اصتدمت بنظرته الحادة والشامتة التي سمعتها تقول:
_ أترين حتى والدكِ سلمكِ لي.

# مُنى_عيد.
# مرات_البواب_هانم.
يتبع..
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي