الفصل الثاني

الفصل الثاني.
"مرات البواب هانم."

أحادت نجاة طريقها لغرفة روضة لتطمئن عليها بعد ما حدث، تعلم كم عشقها لابن عمها زيد، لولا العقارب التي تلدغ من خلفها لكان زواجهما الآن يسير على خير.
_ يا ميلة بختك يا بتي!
تمتمت بها نجاة في حزن بالغ على روضة المسكين، وطرقت باب غرفتها فلم يصلها الرد لتفتح الباب ببطء لتصدم بالسواد الذي يبتلع الغرفة بأكملها بحثت عن المقبس لتنير الغرفة لتجد روضة متكومة على فراشها تبكي، تبكي رفيق عمرها وزوجها، كلما تتذكر نظراته اللائمة والمتوسلة حتى لا توقع على الأوراق التي فصلت قلبين عن بعضهما.
_ روضة، يا روضة يا بتي.
كأن روضة لم تسمعها، وقد إزداد نحيبها ووجهها الوضاء أصبح شاحبًا، نضبت الدماء منه وتملكت حمرة الشفق مقلتيها.. مدماة مخيفة.
تلمست نجاة ظهرها فاهتز جسدها من أثر شهقاتها فرفعتها من ذراعها لها لتعدل من جلستها فارتمت روضة على صدرها وهي تبكي وتشهق مغمغة:
_ قلبي موجوع يا مرت عمي، موجوع قوي.
ربتت نجاة على صدرها وهربت منها الكلمات لتواسيها بها، فألمها ساحق، أوجع قلوب المحيطين.
_ ليه يا مرت عمي؟ ليه يحصل فينا إكدة؟
_ لا حول ولا قوة إلا باللّٰه العلي العظيم، هدي حالك يا بتي، دا نصيبك ولازمن يصيبك، أختبار من ربنا وعتنجحي فيه وربك قادر.
قالتها نجاة متأثرة بحزنها الذي شاركتها إياه كأنها أم لها وتغضنت ملامحها ألمًا وهي تضيف:
_ واللّٰه يا بتي ربك كريم وقادر يقلب الموازين ويرتاح قلبك، يلا همي يا بتي هحضر الوكل ونتعشوا سوا.
رفضت روضة وهي تفلت نفسها من أحضان زوجة عمها وتعود لتتكور على نفسها في فراشها، مغمغمة بنبرة مبحوحة:
_ لاه يا مرت عمي مش جعانة.
ضربت زوجة عمها ساقيها في ضيق عليها ونهضت تربت على ذراعها وتركتها وخرجت لتعد الطعام وأيقظت الشيخ سالم ولكنه لم يستطع حتى تذوق الطعام ضيقًا وغمًا على ما حدث لروضة.
_____________________________________
كل شيء حولها يضغط عليها ويتحامل، صحة والدها التي تتراجع، إلحاح تامر بأن تنهي الأمر سريعًا حتى تعود تحل له، فالفراق أضنى القلب وأقساه ورغبتها هي بالعودة سريعًا لأحضان تامر زوجها وحبيبها، ولا سبيل لها إلا الزواج من ذلك البواب، فهو المتاح حاليًا، ستدعس على كبريائها وتتنازل لتتزوج به، شهر فقط.. فقط شهر ويطلقها، ولن تدعه يمسها.
عند هذه الفكرة تغضن وجهها بإشمئزاز واضح، ولكنها حكمت أمرها وذهبت لغرفة والدها لتطرق الباب قبل أن تدخل وتجلس على الفراش بجواره.
_ أخبارك يا بابا دلوقتي؟
رأت بسمة خفيفة واهنة ترتسم على شفتيه وقال بضعف:
_ الحمد للّٰه يا بنتي.
فركت كفيها في توتر، تراجع قرارها هذا، فهي تقدم على كارثة ضخمة بكل المقاييس، هذا زواج وليس لعبة.
_ يا بابا أنا موافقة على الجواز من.. من البواب.
تنهد أبوها براحة وتهللت أساريره، فها هي مشكلة ابنته توشك على الحل.
حاول النهوض فساعدته ليجلس على الفراش:
_ هاتيلي أشرب يا بنتي لو سمحتِ.
_ حاضر يا بابا.
ناولته كوب الماء فارتشف منه القليل فأخذته من يده وطلب منها أن تعطيه هاتفه وفعلت.
قام بإتصال وبعد ثوان أجاب الطرف الآخر والذي عرفت من هو من حديث والدها:
_ أيوة يا بني.. تقدر تحدد ميعاد وتيجي نكتب الكتاب و..
لم تستطع سماع المزيد من هذا الحديث، فهي يخص زواجها من آخر غير زوجها الذي تحبه.
ألم يكن هذا خطأهما معًا!
تحركت بتثاقل وضعف، روحها أثقلت من الغم الذي يحوم فوقها، لا شيء يسير كما تريد إطلاقًا.
كلما تخطط لشيء يحدث ضده تمامًا.
____________________________________
على مائدة الطعام وجدت والدها يأكل بشهية مفتوحة وقد تحسنت صحته كثيرًا، كأن قبولها دواءً لسقمه.
تنحنح قبل أن يقول بجدية بها بعض الحزم:
_ اتكلمت مع عابد وقالي إنه هييجي بكرة بالمأذون.
هكذا سريعًا تحدد زواجها من آخر، مرت عدتها سريعًا ولم تعِ لها.
حزنها جعلها لا تنتبه للأيام التي تركض ركضًا، في حين وقفت هي بمحلها تتخبطها الرياح.
حاولت الثبات وهي تقول بنبرة جدية بعيدة عن شتات روحها وغيوم قلبها التي تجثو عليه:
_ تمام، اللي تشوفه يا بابا.
نهضت من على مقعدها متعللة بالشبع وهتفت:
_ تصبح على خير يا بابا أنا شبعت.
أخفت الحدة في صوتها وتماسكت حتى دخلت غرفتها لتهوي على فراشها بعنف باكية، لا تتحمل.. لا تتحمل كل هذا الألم الذي يضرب قلبها بعنف.
كادت أن تختنق من شهقاتها المكتومة والتي تأبى الإفراج عنها حتى لا يسمعها والدها ويرى ضعفها.
ولكنها قبلت من أجل والدها، فهو يحمل همها ويثقله.
_____________________________________
مر يومين منذ طلاقها، تحتجز غرفتها ولا تريد مقابلة أحد، حتى جاءت خالتها لتطمئن عليها فرفضت مقابلتها وأخبرت نجاة بأنها لا تريد رؤية أي شخص في هذا الوقت، واحترمت خالتها رغبتها هذه، فالجميع يدرك مصيبتها الواعرة.
كانت فقط نجاة تصعد لها بالطعام الذي تأكل منه أقل القليل وتعيده.
أصر عمها الشيخ أن تتناول طعام العشاء معه، فنزلت بعينيها المنتفختين من البكاء ووجهها الشاحب وقد غزاه الألم.. ورضته تبهت وتتناسل قوتها ويمحى جمالها.
حزن عليها وتضغن وجهه بالألم، ولكنه رسم ابتسامة صغيرة على شفتيه وهو يقول:
_ نورتِ مطرحك يا بت الغالي، اتوحشنا لصوتك وسطينا.
أهدته بسمة مرتعشة مكلفة ولم يخرج صوتها فاكتفت بتحريك شفتيها وتلاعبت بصحنها دون أن تضع لقمة واحدة بفيها.
ربتت نجاة على ذراعها ومدت يدها بقطعة لحم لفمها قائلة بحنان:
_ كلي يا بتي خليكِ تتقوي.. قلبي عليكِ يا حبيبتي.
تغلغلت الدموع بمقلتيها وقد تذكرت حبيبها زيد وهو يطعمها بليلة زواجهما، كيف كان شغوفًا بها حنونًا عليها، يطعمها كأنها طفلته المدللة، ولِمَ لا وهي دائمًا مدللة عنده.
_ خلاص شبعت يا زيد..
كانت تقولها وهي تبعد يد نجاة عن فمها، سرعان ما أدركت أنه لم يكن زيد، فزيد وكل لحظاتها لم يكن لها وجود إلا بعقلها هي.
ارتعشت شفتاها والدموع ظهرت واضحة في مقلتيها الحزينة وهبت واقفة لتركض لغرفتها وتركت خلفها عمها وزوجته يدعون لها وقد تملكهما الحزن على حالتها المزرية.
اشتاقته تعترف لنفسها، هي ضعيفة تجاهه، قلبها يلاحقه أينما ذهب.
تشتاقه ككل مرة تتشاجر معه، بعد أن تترك المنزل له بعد عراك عصيب وصراخ كالمجنونة أو كأنها تلبسها جان، تكسر ما تطاله يدها ولم يستطع زيد إحتواءها أو تهدأتها ومن بعدها تركض لمنزل عمها.
يحاول عمها فهم الموضوع ولكنها لا تحكي له، ويلفها دوار حاد وبعد أن تفيق تهدأ وتبدأ مرحلة شوقها له.
وها هي الآن تشتاقه بعد الطلاق، تريد الركض لأحضانه وتحتمي به من وجع قلبها.
____________________________________
جاء الوقت الموعود، النقطة الفاصلة بحياتها، المأذون والعريس المزعوم بالخارج، وبعض الرجال يتعالى صوتهم، دخل والدها غرفتها فوجدها تمسك بهاتفها بلا مبالاة، ولا كأن زواجها من رجل لا ترضاه وشيكًا.
_ يلا يا بنتي ألبسي واطلعي عشان المأذون بره.
_ ما أنا لابسة يا بابا.
قالتها بضيق ونظرات فارغة من الاهتمام، فزجرها محمود بحدة:
_ لابسة أي يا ست ريتان! أنتِ هتطلعي باللبس دا؟
أشار على ثيابها التي تصف معالم جسدها الواضحة بسبب ضيقها بنظرات مكرهة وقال:
_ قومي غيري لبسك دا يا ريتان واسبقيني.
تستعجب حماسة والدها تجاه الأمر، كأن هذا زواجها الأول وبمن تحب، لم يكن سعيدًا بهذا القدر عند زواجها الأول.
ترك غرفتها وغادر لتتأفف هي بضيق وتعود لهاتفها تتفحصه، لم يكن به شيئًا مهمًا، كانت فقط تضيع الوقت ليركض الحدث سريعًا.
ناداها محمود فخرجت له دون أن تبدل ملابسها كما طلب منها، فرمقها بغضب وهي لم تهتم وتحركت لتجلس بعنجهية غافلة عن النظرات الملتهبة بالغضب التي تتركز عليها.
لم تأخذ بالها من الموجودين، حتى لم تعدهم ولم تعرف من العريس، فقط رفعت نظرها عندما ناداه المأذون، فلم ترى جلباب أسود ولحية طويلة غير مهذبة وشارب مخيف يتلاعب به رفعت نظرها قليلًا لتصدم بعينيه الحادة التي تبعث الرعب بالقلوب، وكانت تتوهج بوميض الغضب.
فزعت وأنزلت بصرها أرضًا ولم تقو على رفع نظرها له مرة أخرى.
أنهى المأذون مراسمه ووقعت على الأوراق بأيدي مرتعشة خائفة ولا تحدد سببًا، ربما من عينيه الحادة التي ترشقها بنظرات بغيضة.
هربت على غرفتها وأحست بنظراته التي تراقبها.
وقف وبارك له والدها والرجال الذين جاءوا معه ليشهدوا على الزواج، وبعد رحيلهم استأذن منه عابد أن يدخل لها.. زوجته.
طرق والدها الباب فوقف عابد بالخارج احترامًا لخصوصيتها، فأعلمها والدها برغبة عابد لمقابلتها وقبل أن تبدي رفضها سمح له محمود بالدخول وخرج هو.
تنحنح عابد قبل أن يقول بصوته الخشن الذي أثار ذعرها كأنها طفلة أمام وحش كبير.
_ أني عابد...
قبل أن يعرف عن ذاته ردت بترفع ولا مبالاة واضحة أغاظته وأشعلت فتيل غضبه:
_ مش عايزة أعرف عنك حاجة، أوعى تكون فاكر إن حياتنا دي هتستمر، هو كله شهر بالكتير وطقلني وبعدها ولا كأنك تعرفني ومتخفش فلوسك هتاخدها كاملة.. أنت محلل مش أكتر.
كان هجومها ضاريًا، حاولت في حديثها أن تظهر له القوة والبأس، لن تضعف أمامه، لن يحدث أبدًا.
فليست ريتان الأحمدي من تخضع لأمر ما قسرت عليه، لن تذعن لرجل مثله.
كونت شخصية له بداخلها، شخصية مقيتة، وضعت بها الصفات السيئة، لتبرر لنفسها تبجحها معه وتكبرها.
كل هذا وهي توليه ظهرها، أحست بطيفه خلفها تمامًا وأنفاسه الصاخبة التي تدل على غضبه تضرب عنقها بقسوة، ولكنه حاولت عدم الاهتزاز حتى لا تظهر له ولو قدر بسيط من الخوف منه.
ابتعد عنه ولم تسمع غير صوت الباب الذي صفقه بقوة ارتجت لها جدران الغرفة، وبعد أن رحل جلست على فراشها تتنهد بقوة.
خرج لوالدها بنظرات غير مبشرة غاضبة، فطالعه محمود بتوسل ورجاء، فاومأ له عابد وقال:
_ طيب بالأذن أني يا عم محمود عندي مصالح كتير، والأسبوع الجاي إن شاء اللّٰه هاجي أخدها.
رأى نظرات الامتنان بعين محمود وأكده بكلماته:
_ تسلم يا بني، مش عارف أشكرك أزاي واللّٰه.
ربت عابد على كتفه وقال:
_ متقولش حاجة يا عم محمود، وخلي بالك من مرتي.
قالها عابد ضاحكًا فشاركه محمود الضحك وقال:
_ ربنا يكون فـ عونك يا بني ويقدرك عليها.
__________________________________
هدأت من نوبة بكائها التي تلازمها من وقت طلاقها، فكل يوم مشكلة جديدة، لم يكن بحسبانها زواج آخر، وهو أيضًا لم ينتبه لتلك النقطة وهو يرمي الطلاق عليها للمرة الثالثة.
قد يصفها البعض بأنها لا كرامة لها، ولكنها بعد كل مرة يطلقها بها يعود ويتذلل لها ولوالدها ويعتذر حتى ترضى عنه.
وقلبها سليب حبه يتبعه دون هوادة، كل مرة تقسم على أن لا ترجع له فيها تضعف وتعود.
_ خلاص يا تامر، الجواز حصل.
لم يخف تامر فرحته وهو يقول:
_ طيب كويس كدا فاضل تكة ونرجع لبعض يا حبيبتي.
أغشت الدموع عينيها وهي تقول بتوجع وقلبها يصرخ مستغيثًا:
_ بس أنا قلبي موجوع يا تامر، فكرة إني على ذمة حد تاني وجعاني، كان سهل عندي أكون بعيدة عنك ولا أكون لراجل تاني، تخيل البواب تبقى مراته هانم!
# مُنى_عيد.
# مرات_البواب_هانم.
يتبع...
الفصل السابق الفهرس الفصل التالي