الفصل الأول
الفصل الأول.
"مرات البواب هانم."
_ أنا.. أنا ريتان هانم أتجوز البواب! أنت بتقول أي يا بابا؟ دا مستحيل يحصل.
نثرت حديثها كتناثر الغضب بقلبها العاصف، يعرض أبوها عليها الزواج من بواب..
عفوًا لم يكن عرض، كان أمرًا لا مفر منه.
_ البواب دا مش عاشق لسواد عيونك يا ست ريتان، دا الوحيد المتاح دلوقتي.. أنا مش عارف أنتِ عايزة ترجعي تاني للزفت دا ليه.
لوح والدها بيده في غضب وأكمل:
_ دا عقاب ليكوا أنتوا الاتنين عشان بعد كدا تاخدوا بالكم من تصرفاتكم، أنا مش عارف عقله بيكون فين وهو بيطلقك، وأنتِ بكل عدم كرامة بترجعي ليه.
ردت بضعف هذه المرة ينافي اهتياج غضبها:
_ عشان بحبه يا بابا، بحبه ومش هقدر أعيش من غيره.
يكره ضعف ابنته تجاه زوجها الوغد، تنال منه الكثير من الغضب والعصبية، وعندما يغضب يطلقها وقد تعدى حدوده، وفي كل مرة يقرر أن يبعدها عنه تبكي بضعف وتترجاه أن يوافق على إرجاعها له.
ريتان ابنته نقطة ضعفه الوحيدة ولا أحد ينافسها في قلبه، فقد دللها حتى أفسدها بدلاله.
لم يكن يومًا يتخيل بأنه سيندم على دلالها، وها هو يعاني معها.
_ يقطع الحب اللي يمرمط القلوب يا بنتي.
تمتم بها وهو يهوي بجسده على الأريكة الضخمة ببهو منزله، يفك رابطة عنقه حتى يأخذ أنفاسه التي تهدلت وقبض ألم سحيق على قلبه ولكنه سيطر على خلجات وجهه حتى لا تجزع ابنته وتقلق عليه.
_ ريتان مفيش حل غير البواب يا بنتي، اقبلي بيه خلينا نخلص من الحوار دا.
هدرت به في عنف وجنون، لن تقبل بهذا أبدًا.
تتزوج من بواب!
إن علمت صديقاتها سيسخرن منها وتصبح حديث العصر.
_ لا يا بابا مش هيحصل.. أبدًا.
بصقت جملتها وهرولت لغرفتها تاركة خلفها أبيها بقلب يتمزق عليها وعلى غبائها.
فهو لم يعجبه زوجها من الأول، واعترض عليه ولكنها أصرت وتحايلت وثم هددته بقتل نفسها إن لم تتزوجه، فأذعن لطلبها رغم رفضه القاطع.
لم يكن ليجبرها على شيءٍ لا تريده أبدًا، ولكن اليوم سيفعلها، لأنه لا سبيل لديه إلا هذا.
_ ربنا يهديكِ يا بنتي.
بداخل غرفتها، كانت تفترش فراشها تقضم أظافرها بتوتر وبيدها الهاتف تقوم بالاتصال على زوجها الذي لم يجيب للآن وقد إزداد رجيف قلبها المتعاقب، أخيرًا أجاب عليها، فابتدرت بقولها المزدرء:
_ الحقني يا تامر.. بابا مصر إني أتجوز البواب بتاعنا، هتجوز بواب على أخر الزمن!
هدأها تامر يقول بندم على خطأه الذي ارتكبه ولكنه لا يسيطر على غضبه وهذه مشكلته الذريعة:
_ اهدي يا حبيبتي، دا كله بسببي أنا، لو كنت بعرف اتحكم فـ غضبي مكنش دا حصل.
تبخر غضبها بأكمله عندما لمست الحزن والندم في نبرته وحولت اهتمامها له، ونقل دوره إليها لتهدأه:
_ خلاص يا تامر يا حبيبي، دا غلطنا أحنا الاتنين، أنا كمان كنت بعصبك مني وبستفزك، أنا آسفة يا حبيبي.
كلماتها ربتت على قلبه المضمني وانزاح بعض الثقل عن قلبه فخف قليلًا، فقال بحب:
_ تسلميلي يا روحي.
توردت خجلًا من مغازلته البسيطة لها ورفرف قلبها فرحة به، فهي تهيم عشقًا بهذا الرجل الذي يعلم تمام العلم ثغراتها وكيف يداوي قلبها ويخفف من وجع روحها من فراقهما.
هتفت فجأة عندما وقعت من سقف اشتياقها له ولكلماته المغازلة على تذكرها أمر زواجها من ذلك البواب، بحدة قالت:
_ بس مش هتجوز البواب دا خالص، دي سالي فؤاد مش هترحمني من تريقتها.
معها كل الحق، ففتاة مثلها عاشت في حياة مترفة، كل ما تطلبه مجاب تتزوج من بواب!
بعد أن كانت متزوجة من تامر ابن رجل الأعمال المرموق "الصياد" تتزوج بحثالة المجتمع.
في اليوم التالي على مائدة الطعام، كانت تأكل بلا شهية ووالدها يتحسر على حزنها وشرودها الذي يبتلعها أغلب الأحيان، ولكن ما بيده حيلة ليخرجها من مستنقع كآبتها.
_ أي يا بنتي قررتِ أي؟ عشان أبعت للبواب وأقوله.
رفعت بصرها لأبيها بضعف سرعان ما تبدل لغضب أهوج وهي تقول:
_ قلت يا بابا إمبارح.. أنا مستحيل أتجوز من الراجل دا.
تغيظه عنجهية ابنته الفارغة، تكبرها على من حولها رغم قلبها الذي يحمل الرفق والطيبة، لكن غرورها يطفو ليخفي هذا الرفق واللطف بقلبها.
ضرب والدها المائدة أمامه بعنف أفزعها وشهقت بجزع من عصبيته وهو يزمجر بها في غضب:
_ بطلي بقا التكبر دا يا شيخة.. أنتِ أي معندكيش قلب! مش كفاية إنك أنتِ السبب والزفت التاني دا في المصيبة دي وأنا بحاول أحلها رغم رفضي للموضوع من أساسه.
حزنت مما قاله أباها في حقها، وصفها بالغرور وقسى عليها في حديثه.
قال أنها مصيبتها هي وهو يحاول حلها.
ألم تكن هي ابنته ومن واجبه حل مشاكلها؟
أم أنه تبرأ منها!
نهضت بعنف من على مقعدها وصاحت به في حدة وعدم تهذيب لأبيها:
_ خلاص يا بابا ملكش دعوة بمشكلتي وأنا هحلها بنفسي، بس برضو من هتجوز الزفت البواب.
غادرت لغرفتها بعاصفتها المميتة هذه، فجذبها وأوقفها صوت نداء والدها فلم تهتم ولكنها وقفت مرة أخرى عندما استمعت لأنينه ومن ثم صوت ضجة عارمة احتلت المكان.
فركضت من فورها لوالدها فوجدته ملقى أرضًا وبجواره مقعده واقعًا، فصرخت بهلع على الخدم ليحلقها أحدهم.
_ بابا لا... متسبنيش يا بابا.
في المشفى.
كانت ممسكة بيده المعلق بها المحلول بعدما اطمأنت على حالته من الطبيب وأنه بخير، كانت جلطة دموية خفيفة.
قبلت يده بحنان وهي تقول ببكاء حار وندم:
_ سامحني يا بابا.. مكنش قصدي أزعلك مني، أنا آسفة يا حبيبي.
فاق أبوها وأفرج عن جفنيه وابتسم بوهن وهو يقول مطمئنًا:
_ متخافيش يا ريتان، أنا بخير يا بنتي.
_ كنت هموت يا بابا لما لقيتك واقع على الأرض.. خوفت أوي لتسبني زي ماما.
كان خوفها صادقًا وحقيقيًا، حتى أنها أصيبت بالصدمة وفقدت الوعي بعد أن وصلت المشفى ولم تحس إلا وهي محمولة على الأيدي ووضعت في غرفة متشحة بالبياض على سرير ملاءته بيضاء أيضًا.
تأثر محمود بحزن ابنته وبخوفها المشع من مقلتيها المهتزة ووجهها الشاحب، فقد سرق الحزن وضاءة وجهها وجماله وتركها شاحبة كالاموات.
مد كفه بصعوبة ووهن تلمس وجنتها الندية من أثر بكائها وقال:
_ مش هسيبك متخافيش.
لم يكن يضمن الحياة ولكنه كان يضمن إطمئنانها وراحة قلبها النازف.
تركته ليرتاح قليلًا كما أمرها الطبيب المعالج، فخرجت لتجد تامر يقف خارج الغرفة، فركضت له بلهفة وأمسكت بيده في شوق وهي تقول بإمتنان:
_ كويس إنك جيت يا تامر، عشان أنا مش عارفة أتصرف لوحدي.
_ كان لازم أكون هنا يا حبيبتي. مكنش ينفع أسيبك لوحدك.
قالها وهو يمرر أنامله على خدها ليزيل دمعاتها التي تدفقت من حدقتيها التي تشبه الليل في غسقه اللامع.
_ مش عارفة أتصرف أزاي، بابا كان هيروح مني وبسببي يا تامر.
طمأنها بحديثه المرفق:
_ متقلقيش يا حبيبتي، هيكون بخير.
_ يا رب يا رب.
____________________________________
ما بين الاختيار ألم يساق إلى القلوب، حيرة ما بين هذا وذاك، مأزق لا مفر منه، تتخير ما بين الألم والألم، أي عذاب هنا وهناك.
هنا موت للقلوب وهناك موت له، لم تكن معادلة خاسرة، بل معادلة معقدة لا حل لها ولا منطق.
ربما يكون الفراق أسلم حلًا لوجع القلوب.
_ راجعي حالك يا بتي، أحنا لساتنا فيها أهه.
ردت بألم وسكين يستحل قلبها ويمثل به، تتحامل على قلبها ليرضخ لأمر عقلها:
_ خلاص يا عمي، أني حكمت أمري خلاص ورايدة الطلاق.
كانت تتوارى بعينيها عن زوجها الذي يقف والدموع تشكل غمامة على عينيه، يأبى أن يطلق سراحهم، يقف صامتًا، متابعًا حبيبة عمره وهي تنساب من بين أصابعه، تقف وتخبر عمها والمأذون بموافقتها على الطلاق الحتمي، والذي قررته هي وعمها.
_ راجعي روحك يا بت عمي، أدينا فرصة تانية..
كان قول زوجها الذي كاد أن يكون متوسلًا لتعدل عن قرارها، ولكن عمها الآخر رفض بقوله الحاد:
_ مفيش رجوع يا بن صالح، يلا شيخنا خلص الورق.
لم ترد، اكتفت برد عمها بدلًا منها، وقد أنهى المأذون الإجراءات وطلب منها التوقيع، بأيدي مرتعشة أمسكت بالقلم والورق وخطت باسمها وهي تمنع شهقاتها الناحرة لحلقها، وضعت نهاية قصتهما وحياتهما معًا.
_ خلصت.
سلمتهم الأوراق وركضت مغادرة المندرة الكبيرة التي تجمع أكابر عائلتها وزوجها.. بل طليقها.
_ بت يا "روضة" حصل أيه؟
لم ترد على زوجة عمها وركضت للأعلى حيث غرفتها القديمة التي كانت تسكنها ببيت عمها قبل زواجها، زواجها الذي لم يتم حتى سنتين وطلبت الطلاق..
اندست في فراشها تبكي بحدة ويتلوى قلبها ألمًا، فآخر نقطة بقصة حبها لابن عمها وضعت.
حياتهما معًا توقفت هنا، ولكن لن يتوقف قلبها عن حبه ولو لخفقة واحدة، سيظل يصرخ بحبه، ويلون جدرانه باسمه، رفيق طفولتها وحب مراهقتها.. زيد.
بالأسفل.
غادر الرجال السرايا العتيقة ودخل عمها سالم الطوابي إلى غرفته فاستقبلته زوجته نجاة وهي تخلع قفطانه من عليه بوجوم لاحظه سالم فاستدار لها بهيبته ووقاره وقال بهدوء:
_ مالك يا نجاة؟ وشك مقلوب أكدة ليه؟
ردت بعتاب وحزن:
_ طلقتها يا شيخ سالم.. إن أبغض الحلال عند اللّٰه الطلاق.
استغفر الشيخ سالم وقبضت يده على حبات مسبحته وهو يقول بترو:
_ كنتِ رايدة أي يا نجاة! أشوفها بتتعذب إكدة وأقف ساكت، دي وصية أخوي ليا وأني لازمن أحافظ عليها.
عارضته فيما يقوله بعنف غير مقصود منها ولوم مبطن:
_ برضك ملقتش غير الطلاق حل يا شيخ؟
_ لا حول ولا قوة إلا باللّٰه العلي العظيم.
تمتم بها وهو ينزع جلبابه ناصع البياض ولم يجيبها، فهي من السيدات التي لا يؤمن بطلاق الفتاة، فهي حياتها قد توقفت عند هذا الحد، وتبدأ الألسنة تغزو حياتها إن خرجت أو تحدثت، إن أكلت أو شربت.
فأنوف البشر ستترك وجوههم وتسكن حياتها.
أقرب وصف للمطلقة في بلد كهذه ومجتمع عقيم كهذا.
فالطلاق عندهم نهاية الحياة، وكان الشيخ سالم معارضًا لهذه الفكرة تمامًا.
فالرسول صلى اللّٰه عليه وسلم، تزوج بالمطلقة والأرملة، ليخبرنا الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام بأن حياتهما لم تنته بعد، بل من الممكن لم تبدأ بعد، قد تبدأ مع إيجادهم لمن يكمل الحياة معهما ويكون السند لهما والعون.
_ ربنا يهديكي يا نجاة حضري الوكل لحد ما أريح هبابة.
اومأت بهدوء وخرجت من الغرفة بعدما أخرجت له ثياب نظيفة يرتديها، ولكن عقلها مازال يشغله القلق والخوف على تلك المسكين "روضة".
# مُنى_عيد.
# مرات_البواب_هانم.
يتبع..
"مرات البواب هانم."
_ أنا.. أنا ريتان هانم أتجوز البواب! أنت بتقول أي يا بابا؟ دا مستحيل يحصل.
نثرت حديثها كتناثر الغضب بقلبها العاصف، يعرض أبوها عليها الزواج من بواب..
عفوًا لم يكن عرض، كان أمرًا لا مفر منه.
_ البواب دا مش عاشق لسواد عيونك يا ست ريتان، دا الوحيد المتاح دلوقتي.. أنا مش عارف أنتِ عايزة ترجعي تاني للزفت دا ليه.
لوح والدها بيده في غضب وأكمل:
_ دا عقاب ليكوا أنتوا الاتنين عشان بعد كدا تاخدوا بالكم من تصرفاتكم، أنا مش عارف عقله بيكون فين وهو بيطلقك، وأنتِ بكل عدم كرامة بترجعي ليه.
ردت بضعف هذه المرة ينافي اهتياج غضبها:
_ عشان بحبه يا بابا، بحبه ومش هقدر أعيش من غيره.
يكره ضعف ابنته تجاه زوجها الوغد، تنال منه الكثير من الغضب والعصبية، وعندما يغضب يطلقها وقد تعدى حدوده، وفي كل مرة يقرر أن يبعدها عنه تبكي بضعف وتترجاه أن يوافق على إرجاعها له.
ريتان ابنته نقطة ضعفه الوحيدة ولا أحد ينافسها في قلبه، فقد دللها حتى أفسدها بدلاله.
لم يكن يومًا يتخيل بأنه سيندم على دلالها، وها هو يعاني معها.
_ يقطع الحب اللي يمرمط القلوب يا بنتي.
تمتم بها وهو يهوي بجسده على الأريكة الضخمة ببهو منزله، يفك رابطة عنقه حتى يأخذ أنفاسه التي تهدلت وقبض ألم سحيق على قلبه ولكنه سيطر على خلجات وجهه حتى لا تجزع ابنته وتقلق عليه.
_ ريتان مفيش حل غير البواب يا بنتي، اقبلي بيه خلينا نخلص من الحوار دا.
هدرت به في عنف وجنون، لن تقبل بهذا أبدًا.
تتزوج من بواب!
إن علمت صديقاتها سيسخرن منها وتصبح حديث العصر.
_ لا يا بابا مش هيحصل.. أبدًا.
بصقت جملتها وهرولت لغرفتها تاركة خلفها أبيها بقلب يتمزق عليها وعلى غبائها.
فهو لم يعجبه زوجها من الأول، واعترض عليه ولكنها أصرت وتحايلت وثم هددته بقتل نفسها إن لم تتزوجه، فأذعن لطلبها رغم رفضه القاطع.
لم يكن ليجبرها على شيءٍ لا تريده أبدًا، ولكن اليوم سيفعلها، لأنه لا سبيل لديه إلا هذا.
_ ربنا يهديكِ يا بنتي.
بداخل غرفتها، كانت تفترش فراشها تقضم أظافرها بتوتر وبيدها الهاتف تقوم بالاتصال على زوجها الذي لم يجيب للآن وقد إزداد رجيف قلبها المتعاقب، أخيرًا أجاب عليها، فابتدرت بقولها المزدرء:
_ الحقني يا تامر.. بابا مصر إني أتجوز البواب بتاعنا، هتجوز بواب على أخر الزمن!
هدأها تامر يقول بندم على خطأه الذي ارتكبه ولكنه لا يسيطر على غضبه وهذه مشكلته الذريعة:
_ اهدي يا حبيبتي، دا كله بسببي أنا، لو كنت بعرف اتحكم فـ غضبي مكنش دا حصل.
تبخر غضبها بأكمله عندما لمست الحزن والندم في نبرته وحولت اهتمامها له، ونقل دوره إليها لتهدأه:
_ خلاص يا تامر يا حبيبي، دا غلطنا أحنا الاتنين، أنا كمان كنت بعصبك مني وبستفزك، أنا آسفة يا حبيبي.
كلماتها ربتت على قلبه المضمني وانزاح بعض الثقل عن قلبه فخف قليلًا، فقال بحب:
_ تسلميلي يا روحي.
توردت خجلًا من مغازلته البسيطة لها ورفرف قلبها فرحة به، فهي تهيم عشقًا بهذا الرجل الذي يعلم تمام العلم ثغراتها وكيف يداوي قلبها ويخفف من وجع روحها من فراقهما.
هتفت فجأة عندما وقعت من سقف اشتياقها له ولكلماته المغازلة على تذكرها أمر زواجها من ذلك البواب، بحدة قالت:
_ بس مش هتجوز البواب دا خالص، دي سالي فؤاد مش هترحمني من تريقتها.
معها كل الحق، ففتاة مثلها عاشت في حياة مترفة، كل ما تطلبه مجاب تتزوج من بواب!
بعد أن كانت متزوجة من تامر ابن رجل الأعمال المرموق "الصياد" تتزوج بحثالة المجتمع.
في اليوم التالي على مائدة الطعام، كانت تأكل بلا شهية ووالدها يتحسر على حزنها وشرودها الذي يبتلعها أغلب الأحيان، ولكن ما بيده حيلة ليخرجها من مستنقع كآبتها.
_ أي يا بنتي قررتِ أي؟ عشان أبعت للبواب وأقوله.
رفعت بصرها لأبيها بضعف سرعان ما تبدل لغضب أهوج وهي تقول:
_ قلت يا بابا إمبارح.. أنا مستحيل أتجوز من الراجل دا.
تغيظه عنجهية ابنته الفارغة، تكبرها على من حولها رغم قلبها الذي يحمل الرفق والطيبة، لكن غرورها يطفو ليخفي هذا الرفق واللطف بقلبها.
ضرب والدها المائدة أمامه بعنف أفزعها وشهقت بجزع من عصبيته وهو يزمجر بها في غضب:
_ بطلي بقا التكبر دا يا شيخة.. أنتِ أي معندكيش قلب! مش كفاية إنك أنتِ السبب والزفت التاني دا في المصيبة دي وأنا بحاول أحلها رغم رفضي للموضوع من أساسه.
حزنت مما قاله أباها في حقها، وصفها بالغرور وقسى عليها في حديثه.
قال أنها مصيبتها هي وهو يحاول حلها.
ألم تكن هي ابنته ومن واجبه حل مشاكلها؟
أم أنه تبرأ منها!
نهضت بعنف من على مقعدها وصاحت به في حدة وعدم تهذيب لأبيها:
_ خلاص يا بابا ملكش دعوة بمشكلتي وأنا هحلها بنفسي، بس برضو من هتجوز الزفت البواب.
غادرت لغرفتها بعاصفتها المميتة هذه، فجذبها وأوقفها صوت نداء والدها فلم تهتم ولكنها وقفت مرة أخرى عندما استمعت لأنينه ومن ثم صوت ضجة عارمة احتلت المكان.
فركضت من فورها لوالدها فوجدته ملقى أرضًا وبجواره مقعده واقعًا، فصرخت بهلع على الخدم ليحلقها أحدهم.
_ بابا لا... متسبنيش يا بابا.
في المشفى.
كانت ممسكة بيده المعلق بها المحلول بعدما اطمأنت على حالته من الطبيب وأنه بخير، كانت جلطة دموية خفيفة.
قبلت يده بحنان وهي تقول ببكاء حار وندم:
_ سامحني يا بابا.. مكنش قصدي أزعلك مني، أنا آسفة يا حبيبي.
فاق أبوها وأفرج عن جفنيه وابتسم بوهن وهو يقول مطمئنًا:
_ متخافيش يا ريتان، أنا بخير يا بنتي.
_ كنت هموت يا بابا لما لقيتك واقع على الأرض.. خوفت أوي لتسبني زي ماما.
كان خوفها صادقًا وحقيقيًا، حتى أنها أصيبت بالصدمة وفقدت الوعي بعد أن وصلت المشفى ولم تحس إلا وهي محمولة على الأيدي ووضعت في غرفة متشحة بالبياض على سرير ملاءته بيضاء أيضًا.
تأثر محمود بحزن ابنته وبخوفها المشع من مقلتيها المهتزة ووجهها الشاحب، فقد سرق الحزن وضاءة وجهها وجماله وتركها شاحبة كالاموات.
مد كفه بصعوبة ووهن تلمس وجنتها الندية من أثر بكائها وقال:
_ مش هسيبك متخافيش.
لم يكن يضمن الحياة ولكنه كان يضمن إطمئنانها وراحة قلبها النازف.
تركته ليرتاح قليلًا كما أمرها الطبيب المعالج، فخرجت لتجد تامر يقف خارج الغرفة، فركضت له بلهفة وأمسكت بيده في شوق وهي تقول بإمتنان:
_ كويس إنك جيت يا تامر، عشان أنا مش عارفة أتصرف لوحدي.
_ كان لازم أكون هنا يا حبيبتي. مكنش ينفع أسيبك لوحدك.
قالها وهو يمرر أنامله على خدها ليزيل دمعاتها التي تدفقت من حدقتيها التي تشبه الليل في غسقه اللامع.
_ مش عارفة أتصرف أزاي، بابا كان هيروح مني وبسببي يا تامر.
طمأنها بحديثه المرفق:
_ متقلقيش يا حبيبتي، هيكون بخير.
_ يا رب يا رب.
____________________________________
ما بين الاختيار ألم يساق إلى القلوب، حيرة ما بين هذا وذاك، مأزق لا مفر منه، تتخير ما بين الألم والألم، أي عذاب هنا وهناك.
هنا موت للقلوب وهناك موت له، لم تكن معادلة خاسرة، بل معادلة معقدة لا حل لها ولا منطق.
ربما يكون الفراق أسلم حلًا لوجع القلوب.
_ راجعي حالك يا بتي، أحنا لساتنا فيها أهه.
ردت بألم وسكين يستحل قلبها ويمثل به، تتحامل على قلبها ليرضخ لأمر عقلها:
_ خلاص يا عمي، أني حكمت أمري خلاص ورايدة الطلاق.
كانت تتوارى بعينيها عن زوجها الذي يقف والدموع تشكل غمامة على عينيه، يأبى أن يطلق سراحهم، يقف صامتًا، متابعًا حبيبة عمره وهي تنساب من بين أصابعه، تقف وتخبر عمها والمأذون بموافقتها على الطلاق الحتمي، والذي قررته هي وعمها.
_ راجعي روحك يا بت عمي، أدينا فرصة تانية..
كان قول زوجها الذي كاد أن يكون متوسلًا لتعدل عن قرارها، ولكن عمها الآخر رفض بقوله الحاد:
_ مفيش رجوع يا بن صالح، يلا شيخنا خلص الورق.
لم ترد، اكتفت برد عمها بدلًا منها، وقد أنهى المأذون الإجراءات وطلب منها التوقيع، بأيدي مرتعشة أمسكت بالقلم والورق وخطت باسمها وهي تمنع شهقاتها الناحرة لحلقها، وضعت نهاية قصتهما وحياتهما معًا.
_ خلصت.
سلمتهم الأوراق وركضت مغادرة المندرة الكبيرة التي تجمع أكابر عائلتها وزوجها.. بل طليقها.
_ بت يا "روضة" حصل أيه؟
لم ترد على زوجة عمها وركضت للأعلى حيث غرفتها القديمة التي كانت تسكنها ببيت عمها قبل زواجها، زواجها الذي لم يتم حتى سنتين وطلبت الطلاق..
اندست في فراشها تبكي بحدة ويتلوى قلبها ألمًا، فآخر نقطة بقصة حبها لابن عمها وضعت.
حياتهما معًا توقفت هنا، ولكن لن يتوقف قلبها عن حبه ولو لخفقة واحدة، سيظل يصرخ بحبه، ويلون جدرانه باسمه، رفيق طفولتها وحب مراهقتها.. زيد.
بالأسفل.
غادر الرجال السرايا العتيقة ودخل عمها سالم الطوابي إلى غرفته فاستقبلته زوجته نجاة وهي تخلع قفطانه من عليه بوجوم لاحظه سالم فاستدار لها بهيبته ووقاره وقال بهدوء:
_ مالك يا نجاة؟ وشك مقلوب أكدة ليه؟
ردت بعتاب وحزن:
_ طلقتها يا شيخ سالم.. إن أبغض الحلال عند اللّٰه الطلاق.
استغفر الشيخ سالم وقبضت يده على حبات مسبحته وهو يقول بترو:
_ كنتِ رايدة أي يا نجاة! أشوفها بتتعذب إكدة وأقف ساكت، دي وصية أخوي ليا وأني لازمن أحافظ عليها.
عارضته فيما يقوله بعنف غير مقصود منها ولوم مبطن:
_ برضك ملقتش غير الطلاق حل يا شيخ؟
_ لا حول ولا قوة إلا باللّٰه العلي العظيم.
تمتم بها وهو ينزع جلبابه ناصع البياض ولم يجيبها، فهي من السيدات التي لا يؤمن بطلاق الفتاة، فهي حياتها قد توقفت عند هذا الحد، وتبدأ الألسنة تغزو حياتها إن خرجت أو تحدثت، إن أكلت أو شربت.
فأنوف البشر ستترك وجوههم وتسكن حياتها.
أقرب وصف للمطلقة في بلد كهذه ومجتمع عقيم كهذا.
فالطلاق عندهم نهاية الحياة، وكان الشيخ سالم معارضًا لهذه الفكرة تمامًا.
فالرسول صلى اللّٰه عليه وسلم، تزوج بالمطلقة والأرملة، ليخبرنا الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام بأن حياتهما لم تنته بعد، بل من الممكن لم تبدأ بعد، قد تبدأ مع إيجادهم لمن يكمل الحياة معهما ويكون السند لهما والعون.
_ ربنا يهديكي يا نجاة حضري الوكل لحد ما أريح هبابة.
اومأت بهدوء وخرجت من الغرفة بعدما أخرجت له ثياب نظيفة يرتديها، ولكن عقلها مازال يشغله القلق والخوف على تلك المسكين "روضة".
# مُنى_عيد.
# مرات_البواب_هانم.
يتبع..